الثلاثاء، 2 أبريل 2013

إعراب " المقيمين " من قول الله تعالى " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا "

 إعراب " المقيمين " من قول الله تعالى " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا  " ([1])
&&&


                  وقعت كلمة " المقيمين " في قوله تعالى ﯰ   ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯿ  ﰀ  ﰂ  ﰃ    ﰄ  ﰅ  ﰆ   ﰇ     ﰈ  ﰉ  ﰊ    ﰋ ([2])  منصوبة بين مرفوعات وهي : الراسخون – المؤمنون – المؤتون الزكاة .

  حتى ادُّعِي أنها خطأ في المصحف ، يقول  الزمخشري : " ....  ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان ، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم "([3])

ويقول الطبري أيضاً : " ....  مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن ، ولأصلحوه بألسنتهم ، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب ، وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً ، على ما هو به في الخط مرسومًا ، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه ، وأن لا صنع في ذلك للكاتب "([4])

وسأذكر من مذاهب النحاة وتخريجاتهم لذلك وشواهدهم من كلام العرب  مالا يدع مجالاً للشك في فصاحة هذا الاستعمال اللغوي ‘ وأن له في مثل هذا الموطن من الحسن ما ليس لغيره .        

 أما تخريجات النحاة والمعربين لذلك فقد انقسمت إلى ستة مذاهب :

المذهب الأول :
        ذهب سيبويه – وعُزي إلى البصريين([5]) – إلى   أنها منصوبة على المدح لبيان فضل الصلاة ، أي أمدح المقيمين الصلاة .
وضح سيبويه ذلك وفصل القول فيه في  باب ما ينتصب على التعظيم والمدح ، يقول : "... ومثل ذلك قول الله عز وجل "  ﯰ   ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯹ   ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯿ  ﰀ  ﰂ  ﰃ  فلو كان كله رفعا كان جيدا ، فأما "المؤتون " فمحمول على الابتداء ، وقال جل ثناؤه "  ﭚ   ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ   ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ   ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ     ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ   ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ([6]) ولو رفع " الصابرين " على أول الكلام كان جيداً ، ولو ابتدأته فرفعته على الابتداء كان جيداً ([7]) ، كما ابتدأت في قوله   " والْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " ونظير هذا النصب من الشعر قول الخرنق :

لايَبْعَدنْ قومي الذين هُمُ   **  سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النّازِلينَ  بكلّ   مُعْتَرَكٍ      **     والطَّيِّبون مَعَاقِدَ الأَزْرِ([8])  

 فرفع " الطيبين " كرفع " المؤتون "   ...... ومن هذا الباب في النكرة قول أمية بن أبى عائذ :
ويَأْوِى إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ  ** وشُعْثاً مَراضِيعَ مِثْلَ السَّعالِي([9])    
كأنه حيث قال إلى نسوة عطل صرن عنده ممن علم أنهن شعث ولكنه ذكر ذلك تشنيعا لهن وتشويها ؛ قال الخليل كأنه قال وأذكرهن شعثا إلا أن هذا فعل لا يستعمل إظهاره "([10]

وقد تعرض أبو الحسن الباقولي لذلك في كتابه " جواهر القرآن " ووضحه ، يقول في باب  ما جاء في التنزيل نصباً على المدح ورفعاً عليه : " وذلك إذا جرى صفات شتى على موصوف واحد، يجوز لك قطع بعضها عن بعض، فترفعه على المدح أو تنصبه، وكذلك في الشتم تقول مررت بالرجل الفاضل الأديب الأريب، وبالرجل الفاسق الخبيث اللئيم ، يجوز لك أن تتبعها الأول، وأن تنصب على المدح .....  ومن ذلك قوله تعالى " ﯰ   ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯹ   ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽﯾ  ﯿ  ﰀأي وأمدح المقيمين ، والمؤتون الزكاة أي : وهم المؤتون ، وكذلك والمؤمنون بالله  "([11])
وإلى هذا أيضاً ذهب الفراء ، يقول : " .... وإنما نصبت لأنها من صفة اسم واحد ، فكأنه ذهب به إلى المدح؛ والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذمّ فيرفعون إذا كان الاسم رفعا، وينصبون بعض المدح فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجدّدٍ غير مُتْبَع لأوّل الكلام ........ ونُرَى أنّ قوله: "ﯰ   ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯹ   ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯿ  ﰀ  ﰂ  ﰃ   أنّ نصب "المقِيمِين" على أنه نعت للراسِخِين ، فطال نعته ونُصِب على ما فسَّرت لك "([12])
ذهب إلى ذلك أيضاً الزمخشري ، يقول : " المقيمين : نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع ...  "([13])
اعترض الكسائي وغيره([14]) على هذا المذهب بأن النصب على المدح لا يكون إلا بعد تمام الكلام ، يقول الفراء : " وإنما امتنع مِن مذهب المدح - يعني الكسائيّ - الذي فسَّرت لك ، لأنه قال : لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام ، ولم يتمم الكلام في سورة النساء. ألا ترى أنك حين قلت " لكن الراسخون في العلم منهم - إلى قوله "والمقيمين - والمؤتون" كأنك منتظر لخبره وخبره فى قوله : " أُولئِك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً " ([15])  

وأجيب عن ذلك بأن الكلام إذا طال حسن فيه القطع ، يقول الفراء : " والكلام أكثره على ما وصف الكسائي ؛ ولكن العرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص وفي التام كالواحد ... "([16]) .

 وهذا الاعتراض إنما يتأتى على كون خبر " الراسخون " هو قوله       ﰈ  ﰉ  ﰊ    ﰋ لكن الخبر عند  القائلين بالنصب على المدح هو قوله"  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯹ فيكون الكلام قد تم.
 يقول مكي بن أبي طالب : " ... و من جعل نصب " المقيمين " على المدح جعل خبر الراسخين يؤمنون فإن جعل الخبر " أولئك سنؤتيهم " لم يجز نصب المقيمين على المدح لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الكلام "([17]) .
ويكون قوله ﰈ  ﰉ  ﰊ    ﰋ على ذلك خبراً لقوله ﰄ  ﰅ  ﰆ   ﰇ     أويكون خبراً لـ  ﰂ  ﰃ     ولكن لا يكون "  ﰂ" مرفوعاً على المدح بإضمار مبتدأ كما سبق ([18]).
كما اعترض على هذا المذهب أيضاً بأن وجود حرف العطف يمنع النصب على المدح ، يقول ابن عطية " ...وهذا كقول خرنق بنت هفان :

لايَبْعَدنْ قومى الذين هُمُ   **  سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النّازِلينَ  بكلّ   مُعْتَرَكٍ      **     والطَّيِّبون مَعَاقِدَ الأَزْرِ([19])

قال القاضي أبو محمد ([20]) : وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في الآية فإنه يمنع عند بعضهم تقدير الفعل .... "([21])
وهذا خلاف ما ذكره النحاة فقد ذكروا جواز عطف بعض النعوت على بعض متبعة كانت أو مقطوعة ، وأن الواو في النعت المقطوع اعتراضية . ([22])

يقول الرضي : " والأعرف مجئ نعت النكرة المقطوع بالواو الدالة على القطع والفصل ، إذ ظاهر النكرة محتاج إلى الوصف ، فأكد القطع بحرف هو نص في القطع – أعني الواو – ... ويجوز في المعرفة أيضا القطع مع الواو، كقول الخرنق ... والواو في النعت المقطوع اعتراضية –  نصبته أو رفعته – "([23]

وقد رد السمين الحلبي ما نقله ابن عطية بقوله : "  وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف ، والقطعُ لا يكونُ في العطف ، إنما ذلك في النعوت ، ولما استدلَّ الناسُ بقوله الخرنق:

لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ ** سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتَركٍ ** والطيبون معاقدَ الأزْرِ

على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه ؛ لأنها قطعت "النازلين" فنصبته ، و"الطيبون " فرفعَتْه عن قولِها " قومي" وهذا الفرقُ لا أثرَ له ؛ لأنه في غير هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف ، أنشد سيبويه :

ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ **وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي([24])
فنصب "شعثاً" وهو معطوف "([25])  

استحسن أبوعلي النصب على المدح في مثل هذه المواضع وذكر موطن حسنه قائلاً : " والأحسن عندي في هذه الأوصاف التي تعطف ويذكر الموضع من موصوفها والمدح أو النقص منهم والذم أن يُخالَفَ بإعرابها ، ولا تُجْعَلَ كلها جارية على موصوفها ، ليكون ذلك دلالة على هذا المعنى ، وانفصالاً لما لا يذكر للتنزيه والتنبيه ، أو النقص والغض مما يذكر للتخليص والتمييز بين الموصوفين المشتبهين في الاسم المختلفين في المعنى ؛ وعلى هذا الحد مذهب العرب في هذا النحو ، وكذلك ما أنشده ([26])  من هذه الأبيات في هذه الأبواب أو عامتها .
وفيه شئٌ آخر يُقَوِّي هذا : وهو أن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان أشد وأوقع فيما يُعنى ويُفترض لصيرورة الكلام وكونه بذلك ضروباً وجملاً ، وكونه في الإجراء على الأول وجهاً واحداً " ([27])

 المذهب الثاني :
          ذهب الكسائي إلى أن " المقيمين " في الآية الكريمة معطوفة على " ما " في قوله " بما أنزل إليك " يقول الفراء : " ... وقال فيه الكسائيّ "والمقيمين" موضعه خفض يُرَدّ على قوله :  " بِما أنزِل إليك وما أنزِل مِن قبلِكَ " : ويؤمنون بالمقيمين الصلاة هم والمؤتون الزكاة . قال : وهو بمنزلة قوله :    ﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ ([28])... " ([29])

يذكر مكي بن أبي طالب هذا المذهب ويزيده إيضاحاً فيقول : " ... وقال الكسائي هو في موضع خفض عطف على " ما " في قوله " بما أنزل إليك " وهو بعيد لأنه يصير المعنى يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة ؛ وإنما يجوز أن تجعل المقيمين الصلاة هم الملائكة فتخبر عن الراسخين في العلم وعن المؤمنين بما أنزل الله على محمد ويؤمنون بالملائكة الذين من صفتهم إقامة الصلاة لقولهﮰ  ﮱ  ﯓ   ﯔ  ﯕ([30])  

واختاره الطبري ورجحه على ما عاداه قائلاً " ... وأولى الأقوال عندي بالصواب أن يكون" المقيمين " في موضع خفض نسَقًا على"ما" التي في قوله :" بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " وأن يوجه معنى" المقيمين الصلاة " إلى الملائكة . فيكون تأويل الكلام : " و المؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد ، من الكتاب ، وبما أنزل من قبلك من كتبي ، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة . ثم يرجع إلى صفة" الراسخين في العلم " فيقول : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر "([31]
وقيل إن المقيمين الصلاة – على هذا الوجه –هم الأنبياء ؛ وقيل هم المسلمون ، ويكون على حذف مضاف أي : وبدين المقيمين . ([32])   

المذهب الثالث :
              ذهب بعض المعربين إلى أن " المقيمين " في الآية الكريمة معطوفة على " قبل " من قوله " وما أنزل من قبلك " ؛ ويكون على حذف مضاف أي : ومن قبل المقيمين ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه ، يقول النحاس : " أن يكون " و المقيمين " عطفا على " قبلك " ويكون المعنى : ومن قبل المقيمين ، ثم أقام المقيمين مقام قبل "([33]
أجاز أبو البقاء هذا الوجه ، يقول : " ... والثالث : أنه معطوف على " قبل " تقديره ومن قبل المقيمين فحذف " قبل " وأقيم المضاف إليه مقامه ... "([34]

المذهب الرابع :
                  أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " منهم " أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة.

المذهب الخامس
          أن يكون معطوفاً على الكاف في " إليك " أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.  

المذهب السادس :
           أن يكونَ معطوفاً على الكاف في " قبلك " أي : ومِنْ قبلِ المقيمين ، ويعين بهم الأنبياءَ أيضاً . ([35])     
ذكر أبو البقاء العكبري هذه المذاهب الثلاثة الأخيرة وردّها بقوله : " ...  وهذه الأوجه الثلاثة عندنا خطأ لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجار "([36])      
وأبو البقاء في في ذلك متبع مذهب جمهور البصريين ومن وافقهم في  عدم جواز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة الشعر .

وذهب يونس والكوفيون والأخفش إلى جواز ذلك في السعة  .
 وذهب المازني إلى أنه إن أكد الضمير جاز العطف من غير إعادة الخافض نحو : " مررت بك نفسِك وزيدٍ" .  ([37])

تناول أبو البقاء هذه المسألة في كتابه " اللباب " وذكر حجة  البصريين  قائلاً : "وحجَّة الأوَّلين من ثلاثة أوجه : أحدُها أنَّ الضمير المجرور مع الجارّ كشيء واحد ولذلك لم يكن إلاَّ متصَّلا ، فالعطف عليه كالعطف على بعض الكلمة . والثاني : أنَّ المعطوف لو كان مضمراً لم يكن بدُّ من إعادة الجرّ فكذلك إذا كان معطوفاً عليه .  والثالث : أنَّ الضمير كالتنوين مع الإضافة وأنَّه على حرف واحد ، كما لا يعطف على التنوين كذلك الضمير "([38]

وذكر أبو البركات الأنباري حجة الكوفيين قائلاً : " أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب قال الله ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ    ﭨ[39])  بالخفض وهي قراءة أحد القراء السبعة وهو حمزة الزيات([40])  .......   وقال تعالى ﭳ  ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ      ([41])   فمن : في موضع خفض بالعطف على الضمير المفخوض في ( لكم ) فدل على جوازه وقال الشاعر :

فَالْيَومَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا **  فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ  ([42])   

 فالأيام خفض بالعطف على الكاف في " بك " والتقدير : بك وبالأيام ، وقال الآخر :

أكرُّ على الكتيبة لا أُبالي **  أَحَتْفِي كان فيها أَمْ سِوَاها([43]
 فعطف سواها بـ " أم " على الضمير في " فيها " والتقدير : أم في سواها ... "([44])   

رجح ابن مالك مذهب الكوفيين ، وردّ ما احتج به البصريون بقوله : " ... وفي الحجتين([45]) من الضعف ما لا يخفى ، لأن شبه ضمير الجر بالتنوين لو امنع من العطف عليه بلا إعادة الجار لمنع منه مع الإعادة ، لأن التنوين لا يعطف عليه بوجه ، ولأنه لو منع من العطف عليه لمنع من توكيده والإبدال منه ، لأن التنوين لا يؤكد ولا يبدل منه ، وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع ، فللعطف أسوة بهما . قد تبين ضعف الحجة الأولى . وأما الثانية فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطاً في صحة العطف لم يجز : ربَّ رجلٍ وأخيه .... وأمثال ذلك كثيرة ، فكما لم يمتنع فيها العطف لا يمتنع في نحو : مررت بك وزيدٍ . وإذا بطل كون ما تعلقوا به مانعاً ، وجب الاعتراف بصحة الجواز "([46])

وقد ذكر أبو حيان ذلك واختار مذهب الكوفيين لأن السماع يؤيده والقياس يقويه ، أما السماع فقد ورد عن العرب نظماً ونثراً نصوص من الكثرة بحيث لايسوغ معها ادعاء الضرورة ، وأما القياس فهو أنه كما يجوز أن يبدل منه ويؤكد  من غير إعادة جار ، كذلك يجوز أن يعطف عليه من غير إعادة جار([47])

تعقيب
      
وبعد ؛ فهذه أقوال النحاة والمعربين في " المقيمين " من قوله تعالىﯰ   ﯱ  ﯲ  ﯳ   ﯴ  ﯵ  ﯶ  ﯷ     ﯸ  ﯹ   ﯺ   ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯿ  ﰀ  ﰂ  ﰃ    ﰄ  ﰅ  ﰆ   ﰇ    ﰈ  ﰉ  ﰊ    ﰋ   والذي أراه راجحاً أن " المقيمين " من جملة صفات ﯱ  - والمعنيُّ بهم فريق من أهل الكتاب – وأن قوله   ﰈ  ﰉ  ﰊ    ﰋ خبر لـ  ﯱ   لأنه بَيَّنَ مصير هذا الفريق من أهل الكتاب في مقابل مصير الفريق الآخر الذي قال فيه في الآية السابقة    ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ ([48]

وعليه فلا يكون قوله  ﯿ  معطوفاً على " ما " في     ﯷ     ﯸ  ﯹ فيراد بهم الملائكة أو المسلمون([49])    – كما ذهب إليه الكسائي وأجازه أبو البقاء واختاره الطبري -  .

كذلك يضعف قول من قال إنها معطوفة على " قبل " أو على الضمير في " إليك – أو قبلك – أو منهم  " لا من قبيل امتناع العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار – فالراجح جواز ذلك وعدم امتناعه لوروده في نصوص كثيرة تخرج عن حد الضرورة – كما قال ابن مالك وأبو حيان – ولكن من قبيل ما ذكرتُ من كون الراجح أن المقصود بالمقيمين : مؤمنو أهل الكتاب ، لا الأنبياء أو غيرهم . 

إذاً فالراجح ما ذهب إليه سيبويه وكير من النحاة والمعربين – وعليه الباقولي – من أن  ﯿ من صفات ﯱ    وأنها منصوبة على التعظيم و المدح لبيان فضل الصلاة ، وهو أسلوب عربي فصيح له في اللسان العربي شواهد كثيرة كالتي ذكرها سيبويه وغيره ؛ بل إن له في مثل هذا الموضع ميزة وهو أنه من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خُولف بإعراب الأوصاف كان أشد وأوقع فيما يُعنى ويُفترض لصيرورة الكلام وكونه بذلك ضروباً وجملاً ، وكونه في الإجراء على الأول وجهاً واحداً – كما قال أبو علي - .





1)      سورة النساء الآية 162 .   
2)    سورة النساء الآية 162 .     
3)    الكشاف 1 / 623 .  
4)     جامع البيان ( تفسير الطبري ) 9 / 398 ؛ ويراجع  أيضاً معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2 / 106 ، والبحر المحيط 3 / 320 .

5)      الكتاب لسيبويه 2 / 66  ، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 2 / 107 ، وإعراب القرآن للنحاس 1 / 405 ، ومشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب 1 / 212 ، والتبيان في إعراب القرآن 1 / 202 .       
6)    من الآية 177 من سورة البقرة  .          
7)       قوله  " ولو رفع الصابرين على أول الكلام " يريد : ولكن البر من آمن بالله والموفون بعهدهم والصابرون ، فيكون معطوفاً على "  مَنْ " وقوله " ولو ابتدأته فرفعته على الابتداء كان جيداً " فيكون خبره " أولئك الذين صدقوا " وأما النصب فهو على المدح بإضمار فعل ، وهو في المعنى  معطوفٌ على "مَنْ آمن"، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ ، وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ ، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – .
  الإغفال لأبي على 2 / 35 ، والدر المصون للسمين الحلبي 1 / 449 .            
8)       البيتان من الكامل وهما  للخرنق بنت هفان في ديوانها صـ 29، وهما من شواهد  معاني القرآن للفراء 1 / 105 ، ومعاني القرآن للأخفش 1 / 167 ، والأصول لابن السراج 2 / 40   ،  والمحتسب لابن جني 2 / 197 ، والإنصاف في مسائل الخلاف المسألة 65 { 2 / 468} ، وشرح الكافية للرضي 2 / 342 ، وشرح الأشموني 3 / 100 ، وهمع الهوامع للسيوطي 3 / 154 .
 قوله : لا يبعدن: دعاء خرج مخرج النهي أي: لا يهلكن ؛ من البعد بمعنى : الذهاب بالموت ، أو الهلاك .   العداة : جمع عاد - بمعنى العدو- أي: أنهم بمنزلة السم للأعداء ، يقتلونهم بلا رحمة . آفة الجزر: الآفة "اسم لكل ما يؤذي ، أو يهلك . والجزر: جمع جزور؛ وهي الإبل ، يريد أنهم كرماء . معترك : موضع الاعتراك والقتال . معاقد : جمع معقد وهو موضع عقد الإزار ؛ والإزار : ما يشده الإنسان على وسطه ، وكنى بذلك عن طهارتهم وعفتهم عن الفحشاء .  شرح الشواهد للعيني 3 / 100 على هامش شرح الأشموني .
وسيبويه يستشهد بالبيتين على نصب "  النازلين " على المدح ، ورفع " الطيبون " على الابتداء .               
9)    البيت من المتقارب وهو من شواهد معاني القرآن للفراء 1 / 108 ، والمفصل للزمخشري صـ 70 ، وشرحه لابن يعيش 1 / 296 ، وشرح الجمل لابن عصفور 1 / 89 ، والمخصص لابن سيده 5 / 89 ، وشرح الكافية للرضي 2 / 342 ، وشرح الأشموني 3 / 101 .
وقوله عُطَّل : يقال عطلت المرأة إذا خلا جيدها من القلائد فهي عُطُل ، والسعالي جمع سعلاة ، وهي أخبث الغيلان.
 وسيبويه يستشهد بالبيت على نصب " شعثاً " على الذم ، فكأنه قال : وأذكرهن شعثاً .   تحصيل عين الذهب ( شرح الشواهد للأعلم ) 1 / 250 على هامش الكتاب طبعة بولاق .
10)           الكتاب  2 / 62 – 66 . 
11)           جواهر القرآن للباقولي 2 / 741  . 
12)           معاني القرآن للفراء 1 / 105 – 106  .    
13)           الكشاف 1 / 623 .       
14)           معاني القرآن للفراء 1 / 107، وإعراب القرآن للنحاس 1 /  405 والدر المصون للسمين الحلبي 2 / 462 .          
15)           معاني القرآن للفراء 1 / 107 .           
16)           معاني القرآن للفراء 1 / 107  .              
17)           مشكل إعراب القرآن 1 / 213    .              
18)            البحر المحيط لأبي حيان 3 / 412 .                  
19)           البيتان من الكامل  وقد مر تخريجهما وبيان الشاهد فيهما .                      
20)           يعني ابن عطية .                           
21)           المحرر الوجيز 2 / 159 .                                  
22)             شرح الكافية للرضي 2 / 342 ، شرح الأشموني على الألفية 3 / 101، وهمع الهوامع للسيوطي 3 / 154 .                                        
23)           شرح الكافية للرضي 2 / 342 ، ومعه أيضاً شرح الأشموني 3 / 101 ، وهمع الهوامع 3 / 154 .                                        
24)           البيت من المتقارب وقد مر تخريجه وبيان الشاهد فيه .                                                                        
25)           الدر المصون 2 / 462 .      
26)           أي سيبويه ،  الكتاب 2 / 62 وقد نقلت طرفاً من كلامه سابقاً  .                                      
27)           الإغفال 2 / 36 .                                     
28)           من الآية 61 من سورة التوبة .
29)            معاني القرآن للفراء 1 / 107 ، ومعه  أيضاً إعراب القرآن للنحاس 1 / 505 ، ومشكل إعراب القرآن 1 / 212 .  
30)           مشكل إعراب القرآن 1 / 212 ، والآية الكريمة رقم 20 من سورة الأنبياء عليهم السلام .    
31)           جامع البيان في تأويل القرآن للطبري 9 / 397 .   
32)             الدر المصون 2 / 462 ، وقد قال أبو البقاء قريباً من ذلك كما سبق .          
33)            إعراب القرآن للنحاس 1 / 505 ؛ ومعه  أيضاً مشكل إعراب القرآن 1 / 212 ، والبحر المحيط 3 / 394 ، والدر المصون 2 / 462 .       
34)           التبيان 1 / 202 .         
35)           هذا المذهب و اللذان قبله في  معاني القرآن وإعرابه للزجاج  2 / 105 ، وإعراب القرآن للنحاس 1 / 505 ، والبيان في غريب إعراب القرآن للأنباري 1 / 276 ، والإنصاف في مسائل الخلاف – المسألة 65 { 2 / 471}  ، والبحر المحيط لأبي حيان 3 / 394 ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2 / 362   .         
36)           التبيان 1 / 202 .           
37)           الكتاب لسيبويه 2 / 381 ، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 2 / 5 ، والخصائص لابن جني 2 / 19 ، والإنصاف في مسائل الخلاف  2 / 463 ، واللباب في علل البناء والإعراب 1 / 432 ، وشرح المفصل لابن يعيش 2 / 12 ، وشرح الكافية للرضي 2 / 355 ، وشرح الأشموني على الألفية 3 / 170 ، وهمع الهوامع 3 / 221 .               
38)           اللباب في علل البناء والإعراب 1 / 432  .   
39)           من الآية 1 من سورة النساء .        
40)           قرأ حمزة "والأرحامِ" بالجر ، وقرأ الباقون بالنصب ، ونقل عن عبد الله بن زيد " والأرحامُ" ، يراجع  السبعة في القراءات لابن مجاهد صـ 226 ، والمحتسب لابن جني 1 / 178 .       
41)           سورة الحجر الآية 20 .             
42)           البيت من البسيط وهو بلا نسبة في الكتاب لسيبويه 2 / 383 ، والأصول لابن السراج 2 / 119 ، واللمع لابن جني صـ 97 ، وشرح المفصل لابن يعيش 2 / 13 ، وشرح التسهيل لابن مالك 3 / 376 ، وشرح الكافية للرضي 2 / 355 ، والبحر المحيط لأبي حيان 2 / 133 ، وتوضيح المقاصد للمرادي 2 / 1026 ، وشرح ابن عقيل على الألفية 3 / 240 ، وشرح الأشموني 3 / 170 ، وهمع الهوامع للسيوطي 3 / 221.
 والشاهد في قوله " فما بك والأيام " فإنه عطف " الأيام " على الضمير المجرور في " بك " من غير إعادة الجار ، وهو جائز عند الكوفيين ومن تابعهم ، وعده البصريون ضرورة .     
43)             البيت من الوافر ، وهو لعباس بن مرداس  في ديوانه صـ 162 وفيه " أشد " مكان " أكر " ، وهو من شواهد شرح التسهيل لابن مالك 3 / 377 ،  شرح الكافية الشافية لابن مالك أيضاً 2/ 49 ، والبحر المحيط 1 / 133 ، ومجمع الأمثال للميداني 2 / 87 ، ونهاية الأرب للنويري صـ 209 .
 والشاهد في البيت عطف " سواها على الضمير المجرور قبله بدون إعادة الجار على مذهب الكوفيين ، وهو عند البصريين ضرورة .                
44)           الإنصاف في مسائل الخلاف – المسألة 65 { 2 / 463 – 464 } .
45)           يعني ما احتجوا به من أنَّ الضمير كالتنوين ، وكما لا يعطف على التنوين كذلك الضمير ، وعدم صلاحية ضمير الجر لحلوله محل المعطوف عليه . 
46)           شرح التسهيل لابن مالك 3 / 275 – 276 . 
47)           البحر المحيط لأبي حيان 2 / 133 .
48)            من الآية 161 من سورة النساء ، ويراجع  البحر المحيط 3 / 412 ، ويراجع  أيضاً مفاتيح الغيب للفخر الرازي 1 / 1590، وروح المعاني للألوسي 6 / 16 .                
49)           أي بتقدير : يؤمنون بما أنزل إليك ويؤمنون بالملائكة ، أو .. ويؤمنون بدين المسلمين ؛ كما سبق .                         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق